فخر الدين الرازي
185
تفسير الرازي
وأنشد شعراً : فلو رفع السماء إليه قوما * لحقنا بالنجوم مع السحاب وثالثها : أن تأنيث السماء ليس بحقيقي ، وما كان كذلك جاز تذكيره . قال الشاعر : والعين بالإثمد الخيري مكحول وقال الأعشى : فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض أبقل إبقالها ورابعها : أن يكون السماء ذات انفطار فيكون من باب الجراد المنتشر ، والشجر الأخضر ، وأعجاز نخل منقعر ، وكقولهم امرأة مرضع ، أي ذات رضاع . السؤال الثاني : ما معنى : * ( منفطر به ) * ؟ الجواب من وجوه : أحدها : قال الفراء : المعنى منفطر فيه وثانيها : أن الباء في ( به ) مثلها في قولك فطرت العود بالقدوم فانفطر به ، يعني أنها تنفطر لشدة ذلك اليوم وهوله ، كما ينفطر الشيء بما ينفطر به وثالثها : يجوز أن يراد السماء مثقلة به إثقالاً يؤدي إلى انفطارها لعظم تلك الواقعة عليها وخشيتها منها كقوله : * ( ثقلت في السماوات والأرض ) * ( الأعراف : 187 ) . أما قوله : * ( كان وعده مفعولاً ) * فاعلم أن الضمير في قوله : * ( وعده ) * يحتمل أن يكون عائداً إلى المفعول وأن يكون عائداً إلى الفاعل ، أما الأول : فأن يكون المعنى وعد ذلك اليوم مفعول أي الوعد المضاف إلى ذلك اليوم واجب الوقوع ، لأن حكمة الله تعالى وعلمه يقتضيان إيقاعه ، وأما الثاني : فأن يكون المعنى وعد الله واقع لا محالة لأنه تعالى منزه عن الكذب وههنا وإن لم يجر ذكر الله تعالى ولكنه حسن عود الضمير إليه لكونه معلوماً ، واعلم أنه تعالى بدأ في أول السورة بشرح أحوال السعداء ، ومعلوم أن أحوالهم قسمان أحدهما : ما يتعلق بالدين والطاعة للمولى فقدم ذلك والثاني : ما يتعلق بالمعاملة مع الخلق وبين ذلك بقوله : * ( واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً ) * ( المزمل : 10 ) وأما الأشقياء فقد بدأ بتهديدهم على سبيل الإجمال ، وهو قوله تعالى : * ( وذرني والمكذبين ) * ( المزمل : 11 ) ثم ذكره بعده أنواع عذاب الآخرة ثم ذكر بعده عذاب الدنيا وهو الأخذ الوبيل في الدنيا ، ثم وصف بعده شدة يوم القيامة ، فعند هذا تم البيان بالكلية فلا جرم ختم ذلك الكلام بقوله : * ( إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً ) * . أي هذه الآيات تذكرات مشتملة على أنواع الهداية والإرشاد * ( فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ) * واتخاذ السبيل عبارة عن الاشتغال بالطاعة والاحتراز عن المعصية .